تشرح ألكسندرا بروكوبينكو كيف يفتح إغلاق مضيق هرمز مسارًا جديدًا لتحولات اقتصادية عميقة، حيث لا يقتصر التأثير على النفط بل يمتد بقوة إلى سوق الأسمدة العالمي، ويمنح موسكو فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها.
تنشر مؤسسة كارنيجي هذا التحليل الذي يسلّط الضوء على التداعيات غير المباشرة للحرب، خاصة في قطاع الزراعة والغذاء، حيث تبدأ موجات التأثير بهدوء لكنها تترسخ على المدى الطويل.
اضطراب الأسمدة قبل الغذاء
يدفع تصاعد التوتر في الخليج إلى فرض قيود متزايدة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما يعطل شريانًا حيويًا ليس فقط للنفط، بل أيضًا للأسمدة. تنقل دول الخليج نحو نصف تجارة اليوريا البحرية عالميًا ونحو ثلث تجارة الأمونيا، وهما عنصران أساسيان في إنتاج الغذاء.
يرفع هذا التعطل أسعار الأسمدة بسرعة ملحوظة. تقفز أسعار اليوريا في الشرق الأوسط من مستويات أقل من 500 دولار للطن إلى ما بين 600 و700 دولار خلال أسابيع قليلة. ورغم أن هذه الأرقام لم تبلغ ذروة 2022، إلا أنها تواصل الصعود.
يفتقر هذا السوق إلى أدوات الحماية التي يمتلكها النفط؛ فلا توجد مخزونات استراتيجية كافية، ولا خطوط بديلة، ولا ترتيبات عسكرية لحماية الشحنات. لذلك ينعكس أي خلل في الإمدادات بشكل مباشر على الأسعار.
لا يظهر الأثر على الغذاء فورًا، بل يتأخر عدة أشهر. يواجه المزارع نقص الأسمدة في بداية الموسم، فيقلل استخدامها أو يغير نوع المحصول أو يتخلى عن الزراعة. يظهر هذا القرار لاحقًا في انخفاض الإنتاج، ثم يترجم إلى ارتفاع أسعار الغذاء.
روسيا تستثمر الأزمة
تستفيد روسيا من هذا التحول بهدوء وثبات. تمتلك حصة كبيرة من صادرات الأسمدة عالميًا، تشمل الأمونيا واليوريا والبوتاس، كما تعتمد بنيتها التحتية على مسارات بعيدة عن مضيق هرمز، ما يمنحها ميزة تنافسية واضحة.
تتجه دول مستوردة، مثل نيجيريا وغانا، إلى شراء الأسمدة الروسية مسبقًا لتأمين احتياجاتها. لا يعكس هذا التوجه مجرد استجابة مؤقتة، بل يؤسس لعلاقات طويلة الأمد قد تتحول إلى اعتماد دائم.
تستخدم موسكو هذا النفوذ كأداة سياسية، كما فعلت سابقًا في اتفاق الحبوب في البحر الأسود. تضغط عبر الإمدادات لتحقيق مكاسب دبلوماسية، خصوصًا في أفريقيا وآسيا، حيث تتزايد هشاشة الأمن الغذائي.
تدرك القيادة الروسية هذه الفرصة جيدًا. تشير تصريحات رسمية إلى أن الأزمة الحالية ليست عابرة، بل تمثل إعادة تشكيل هيكلية للأسواق العالمية، ما يفتح الباب لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي.
ثلاث صدمات متتالية
يطلق إغلاق مضيق هرمز سلسلة مترابطة من الصدمات. تبدأ الأولى بارتفاع أسعار الأسمدة، وهي بالفعل قيد الحدوث. تليها صدمة ثانية تتمثل في انخفاض الإنتاج الزراعي خلال مواسم الحصاد المقبلة، خاصة في الدول النامية التي تفتقر إلى بدائل.
تأتي الصدمة الثالثة لاحقًا في صورة تضخم غذائي عالمي، يُتوقع ظهوره بوضوح في 2027. لا يستطيع المستهلك في الدول الفقيرة تقليل استهلاك الغذاء بسهولة، لذلك يتحول ارتفاع الأسعار إلى أزمة إنسانية مباشرة.
يتوقع برنامج الغذاء العالمي ارتفاع عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد بعشرات الملايين إذا استمرت الحرب، خاصة في أفريقيا وآسيا. هنا لا تعني الأسعار المرتفعة مجرد أرقام، بل تعني خطر المجاعة.
في هذا السياق، لا تحقق روسيا مكاسب مالية فقط، بل تبني نفوذًا طويل الأمد. يمنحها دور المورد الأساسي للأسمدة قدرة على التأثير في قرارات دول تعتمد عليها للبقاء الغذائي.
نفوذ يتجاوز السوق
تتجاوز هذه التحولات حدود الاقتصاد. تعيد الأزمة رسم خريطة النفوذ العالمي، حيث تتحول الأسمدة إلى أداة ضغط فعالة، ربما أكثر تأثيرًا من الطاقة في بعض الحالات.
لا تحتاج موسكو إلى تدخل عسكري أو اتفاقيات معقدة لتعزيز موقعها، بل يكفيها تدفق الطلب العالمي على منتجاتها. ومع استمرار الأزمة، يترسخ هذا الدور تدريجيًا.
قد تنتهي الحرب قبل أن يدرك كثيرون العلاقة بين أحداث الخليج وارتفاع أسعار الغذاء لاحقًا. لكن عند ظهور النتائج، تكون موازين القوة قد تغيّرت بالفعل.
في النهاية، لا تزرع روسيا هذه الأزمة، لكنها تجيد حصد نتائجها.
https://carnegieendowment.org/russia-eurasia/politika/2026/03/russia-new-fertilizer-export

